حيدر حب الله

165

بحوث في فقه الحج

الرابع : القرائن الخارجية وهي عديدة نلاحظها على التوالي : 1 - إنّ منى واد ، يقع في معرض السيول ، فمن المنطقي أن تكون هناك علامات تحدّد بها الجمار « 1 » . ويرد عليه : إنّ طريقة التحديد القديمة للمواضع كانت تختلف بعض الشيء عن الدقّة البالغة المرعية الإجراء اليوم ، فقد يعتمدون على تحديد الجمرات ببُعدها عن تلّ أو عن جسم ثابت ، وهذا أمرٌ متداول قديماً ، ولا غرابة في أن يقيموا تحديداتهم على ذلك ، كما لا غرابةً في أن يجعلوا علامةً لا تكون هي نفس الجمرة ، بل قريبة تحدّد الجمرات على أساسها ، وحصر الطريقة بما ذكر ليس هناك ما يؤكّده وإن كان محتملًا . 2 - إنّ ظاهرة وضع العمود لاحقاً على تقدير كونه موجوداً قبل ذلك كان من المفترض أن تثير الناس ، وربما منع منها بعض الفقهاء نظراً لكونها بدعة أو ما شابه ، مع أنّنا لا نجد في أيّ نصّ تاريخي شيئاً من هذا النوع أو حتّى استفهاماً عن الموقف الشرعي من الموضوع « 2 » . والجواب : أمّا عن عدم التعرّض تاريخيّاً للجمرات فهو أمرٌ له نظائره ، ذلك أنّ الكتابة عن تاريخ مكّة والحرم بالشكل المعهود له اليوم وكذلك أدب الرحلة الحجيّة وتدوينها . . . ذلك كلّه لم نجده في المصادر التاريخية القديمة إلّا عابراً ، فلو كانت هناك ظاهرة اهتمام بتاريخ الحرم ، ولم يجر التعرّض للجمرات لكانت هذه القرينة محكمة ، أمّا والجوّ العام كان نحواً من عدم الاهتمام - لا بالمعنى السلبي - فدرجة الدلالة في هذه القرينة ستغدو أضعف ، سيما وأنّ كتب التاريخ في القرون الهجرية الأربعة الأولى كانت تاريخاً للسلاطين والسياسات أكثر منها تاريخاً لسائر الأُمور ، سواءً في ذلك ما دوّنه المسلمون وما دوّنه غيرهم . وأمّا عن عدم وجود ردّة فعل فقهيّة إزاء هذا الموضوع على تقديره ، فالإنصاف أنّ ذلك قرينة جيّدة ، إلّا أنّ تحصيل الاطمئنان بمقتضاها قد يواجه بعض الصعوبات

--> ( 1 ) . المصدر نفسه : 70 - 71 . ( 2 ) . المصدر نفسه : 72 ، 79 .